*لبنان بين مقاومةٍ تفرضُ وقفَ إطلاقِ النارِ وحكومةٍ تشرِّعُه!*
*الدكتور نسيب حطيط*
يعيش لبنان حالة حرب بين المقاومة والعدو الإسرائيلي، بالتلازم مع نزاع داخلي بين المقاومة و"جبهة حلفاء إسرائيل" في لبنان بقيادة الحكومة اللبنانية الشريكة مع إسرائيل وأمريكا في الحرب على المقاومة وأهلها، وتدعمها بعض الأحزاب والشخصيات السياسية والإعلامية والدينية.
يشكّل قرار وقف إطلاق النار موضوع الخلاف الرئيسي، حيث تسعى المقاومة، بالتعاون مع إيران، لفرض وقف إطلاق نار شامل لكل جبهات "محور المقاومة" ودون استثناء الجنوب، بينما تعمل الحكومة اللبنانية على "تشريع" إطلاق النار الإسرائيلي على المقاومة وأهلها لحفظ الأمن الإسرائيلي وفق رؤية العدو، دون أن يكون للبنان حق الدفاع عن النفس، سواء عبر الجيش أو المقاومة، وذلك من خلال توقيع إعلان نوايا عنوانه "السلام" وجوهره استسلام لبنان للتوحش الإسرائيلي!
إن المشكلة الرئيسية في وقف إطلاق النار أنه ليس أمراً تقنياً ينحصر بالميدان، بل لأنه سيحدد مشهدية المرحلة القادمة سياسياً وعسكرياً، وديموغرافياً، وفق الصيغة التي سيتم إقراره بها، وذلك وفق التالي:
-وقف إطلاق النار وفق "صيغة واشنطن" عبر المفاوضات الثلاثية (اللبنانية-الإسرائيلية-الأمريكية)، والتي هي في جوهرها نقاش طرف واحد، وهذا ما سيؤدي، وفق ما أعلنته هذه الأطراف، إلى تصفية المقاومة واجتثاثها عسكرياً واجتماعياً وثقافياً، وإلغاء كل مؤسساتها ومحو ثقافتها وتعديل عقيدتها، مع عدم الانسحاب الإسرائيلي، ومنع عودة أهالي الجنوب إلى قراهم، وفرض السيطرة الإسرائيلية الأبدية على لبنان، وإحداث تغيير في الديموغرافيا اللبنانية، واحتلال لقسم من الجغرافيا في الجنوب.
-وقف إطلاق النار وفق "صيغة باكستان" (المفاوضات الإيرانية-الأمريكية):سيكون أكثر ضمانة للمقاومة وأهلها وللمشروع الوطني المقاوم، لارتباطه بجبهة إقليمية-دولية، مما يفك الحصار عن المقاومة ويُفشل عزلها أو الاستفراد بها، ويتيح التفاوض من موقع القوة مع الطرف الأصيل (أمريكا) التي تستطيع إلزام إسرائيل بما يحقق التوازن، مما سيحمي الجغرافيا اللبنانية من الاحتلال، ويفرض الانسحاب، ويحمي الديموغرافيا، ويمنع تهجير الشيعة من جنوب لبنان، ويفرض عودة السكان إلى قراهم وإعادة إعمارها، ويكبح جماح الهيمنة الإسرائيلية على لبنان.
إن لقرار وقف إطلاق النار، وفق الصيغة التي سيتم إقرارها، تداعياته السلبية أو آثاره الإيجابية وانعكاساته على الأطراف الإقليمية المشاركة في الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر، وكذلك على الأطراف الداخلية في لبنان. فإذا تم إقرار وقف إطلاق النار وفق الصيغة "الإيرانية-الأمريكية"، فإن الخاسر سيكون الحكومة اللبنانية التي ستدفع ثمن استسلامها وتنازلاتها وطعنها للمقاومة وللسيادة، بالإضافة إلى الأطراف السياسية والطائفية التي كانت تنتظر القضاء على المقاومة بالقصف الإسرائيلي، ويسهّل وصولها إلى الحكم الذي خسرته بعد اجتياح عام 1982. وعلى العكس من ذلك، إذا تم إقراره وفق مفاوضات واشنطن، فستخسر المقاومة وأهلها.
إن وقف إطلاق النار سيكون مدخلاً لاتفاق وطني جديد بديل عن اتفاق "الطائف"، سواء بتعديل بنوده أو تعليق تنفيذه إذا ما تم، وسيشكّل عنواناً لانتصار أحد الطرفين داخل لبنان: إما المقاومة وحلفاؤها، وإما حكومة التطبيع وجبهة حلفاء إسرائيل في لبنان، مما سيدخل قرار وقف إطلاق النار في دائرة التعقيد والنقاش والتفاوض الطويل، لإفساح المجال أمام العدو الإسرائيلي لإحراز بعض الانتصارات التي لم يحقق شيئاً منها حتى الآن على المستوى السياسي، وحتى العسكري، سوى ارتكابه المجازر وتدمير القرى.
ليس من مصلحة المقاومة وأهلها ترك التفاصيل الميدانية، المتعلقة بالانسحاب وإعادة الإعمار، للطرف اللبناني منفرداً، بل يجب إبقاؤها بنداً على طاولة المفاوضات الإيرانية-الأمريكية التقنية التي ستمتد على مدى 60 يوماً؛ لأن إبعاد إيران عن التفاصيل، ولو بصفة مراقب له حق "الفيتو" ممثلاً للمقاومة في لبنان، سَيلحق الخسائر بالمقاومة والمشروع المقاوم، بعدما أعلنت الحكومة اللبنانية أن المقاومة عدوٌ لها، ولا يمكن اعتبارها ممثلاً للشعب اللبناني، ولا سيما أهل القرى التي دمرها العدو ويمنع أهلها من العودة إليها وإعمارها.
إن تفهم رغبة ولهفة أهلنا النازحين بالعودة إلى قراهم، وإقرار وقف إطلاق النار الذي ندعو أن يكون قريباً وشاملاً، لا يلغي ضرورة التنبه لما بعد إقراره من حتمية الإنسحاب، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار ، وعدم الإكتفاء بالإعلان الرسمي دون تنفيذ ميداني شامل، يمنع الاغتيالات وتفجير ما تبقى من قرى ، ووقف القصف خارج منطقة القتال.
الشكر لله سبحانه الذي نَصر إخوتنا المجاهدين الكربلائيين ، ووفّقهم للصمود في حرب "المئة يوم"، واصابة العدو بالخسائر الكبيرة وكانوا السبب الأساس لوقف النار، والشكر للإخوة في إيران ولكل من ساهم في وقف إطلاق النار (إذا حصل)، والعار واللعنة على من شارك وشرّع سفك دمائنا وتدمير بيوتنا وقرانا.


